المساج: إرث فرعوني ورياضة للأبدان
مقدمة: الجذور العميقة
عندما نتأمل جدران المعابد المصرية القديمة، نجدها تحكي قصصاً لا تنتهي عن براعة الفراعنة في شتى المجالات. ومن بين تلك النقوش، تبرز مشاهد واضحة لعمليات التدليك، مما يؤكد أن “المساج” لم يكن مجرد وسيلة للرفاهية، بل كان رياضة بدنية وعلاجاً طبياً ابتكره المصري القديم منذ آلاف السنين، ليسبق بذلك حضارات شرق آسيا التي ينسب إليها الكثيرون أصل هذا الفن اليوم.
المساج في مصر القديمة: فلسفة وعلم
كان الفراعنة ينظرون إلى الجسد كبناء يحتاج إلى صيانة دورية. وقد ظهرت أقدم الأدلة على ممارسة التدليك في “مقبرة عنخ ما حور” بسقارة (التي تُعرف بمقبرة الطبيب)، حيث تعود للنقوش إلى عام 2330 قبل الميلاد. تظهر الصور بوضوح معالجين يقومون بتدليك الأقدام والأيدي، مع كتابات هيروغليفية تشير إلى عبارات مثل “لا تجعله يتألم”، مما يدل على الوعي بالراحة الجسدية والنفسية.
التدليك كجزء من الثقافة الرياضية
لم يكن المساج منفصلاً عن الرياضة عند الفراعنة، بل كان مكملاً لها:
-
تأهيل الرياضيين: كان المصارعون والمحاربون يخضعون لجلسات تدليك لتقوية العضلات وزيادة المرونة.
-
استخدام الزيوت الطبيعية: برع المصريون في استخلاص الزيوت من النباتات (مثل زيت النعناع، والكتان، واللوز) واستخدامها في التدليك لتعزيز الدورة الدموية.
-
الارتباط بالطب: كان التدليك يُستخدم كعلاج طبيعي للآلام المزمنة وإصابات العمل التي يتعرض لها بناة الأهرامات والمعابد.
من المعابد إلى العالم
انتقل هذا الفن من مصر إلى الإغريق والرومان، ومن ثم إلى بقية العالم. واليوم، نجد أن “المساج الرياضي” يعتمد في جوهره على نفس المبادئ التي وضعها الفراعنة: تحفيز نقاط الضغط في الجسم، وتنشيط الدورة الدموية، وتخليص العضلات من التوتر.
خلاصة القول: إن المساج هو رياضة الروح والجسد التي ولدت على ضفاف النيل. والاعتراف بأصله الفرعوني ليس مجرد فخر تاريخي، بل هو استعادة لحق حضارة علّمت البشرية كيف تعتني بجسدها ليعيش في تناغم مع روحه.